''النّسيان و ذاك'' لـ جنان التّونسيّة

 

"صفحات النّسيان لا تُكتبُ لأنّها لا تنتهي. فَبَيْنَ حُرقة الأَسى و الرُّوحِ المُنفعلةِ ضَياعُ امرئٍ بَيْن صِدقِ المشاعرِ و لوعةِ الخيانة. 
لا، ليس الحُطام المُتبَقِّي و الرَّمادُ دلالةَ العنفِ و الإستسلامِ، إنَّما نَفاذُ الكلماتِ القادرةِ على وصف النّسيانِ هُوَ الهمُّ الأكبر.
لمَّا نَسِيتُ ماضيًا ليسَ بالبعيدِ كانَ من بابِ الإحتياط. فأنا قد أَبقَيْتُ للذّكرياتِ مُهلةً، مُهلةَ أنّني يومًا مَا سأحتاجها و أستعيرها في حجاجي، إنّما الذّاكرةُ غدّارةٌ و الجسدُ وضيعٌ لا يمكّنانَنِي من حسنِ النّقد.
لقد أبْقَيْتُ الذّكرياتِ مهلةً عسى أن يكون لبعض الكلماتِ يومًا صدًى و دافعَ تعبيرٍ و اهتمام. أمْهلتُها مدََّة صلوحيّةٍ فرُبّما تُعِينُنِي على مجابهةِ غضبي من النّسيان. نعم، تركتُ اللاّنسيانَ يساعدني على مجابهةِ النّسيان.
الأوّل لاَنسيانُ الماضي و الثّاني نسيانُ الحاضرِ و كلاهما نسيانُ الواقع.
أنت لا تدرك  أنّني متمرّدةٌ على المعتاد، أمقتُ القطيعَ و أكرهُ حبَّ الجميع.
لستُ مِنَ اللّواتي يَبْكِينَ طوالَ اللّيلِ، و لا أدري لماذا: ربّما حرقةٌ حقيقيّةٌ من "الحبِّ" ، أو لِحزنٍ لَمْ يَستَطِعْنَ كَبْتَهُ، أو إقرارًا بضعفِهِنَّ و تسليمًا بأفكارِ مجتمعٍ يرى في الأنثى الضّعيفةَ و العاطفيّةَ دائمًا.
النّسيانُ مشروعٌ و مهمّةٌ ربّما، إلاّ أنّه لاَنسيانٌ. فما دُمْتَ تحاولُ النّسيانَ فإنّ الفكرةَ تزدادُ عمقًا و تستعمر مساحة أكبَر من العقل و القلب. و هنا تكون المأساة: لا نسيان.
قرأتُ 'مولد النّسيان' لمحمود المسعدي. لم أفهم سوى لوعةِ الوجودِ بين الإنتفاء و الإنسحاب من الفضاءِ و الفكرِ المهينِ و الفكرِ العالي. رأيتُ السّجنَ و الجسدَ الهزيلَ و سحرَ السّوادِ أينما تَحِلّ.
لَمْ يُساعدني الكتابُ على النّسيانِ، بَلْ جعلني أرى النّسيانَ من زاويةِ الاَّنسيان.
و أنا أَتعذّب."

_ جنان التّونسيّة

 alt

التعليقات


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل